الشنقيطي

411

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ثم قال تعالى وهو محل الشاهد أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) [ النمل : 62 ] . فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعا ، وكشف السوء وجعل الناس خلفاء في الأرض من خصائص ربوبيته جل وعلا ، ولذا قال بعدها أإله مع اللّه قليلا ما تذكرون . فتأمل قوله تعالى : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ مع قوله : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [ النمل : 62 ] تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا وكشف السوء عن المكروبين ، لا فرق في كونه من خصائص الربوبية ، بينه وبين خلق السماوات والأرض ، وإنزال الماء وإنبات النبات ، ونصب الجبال وإجراء الأنهار ، لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد ، وأتبع جميعه بقوله : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ [ النمل : 60 - 64 ] . فمن صرف شيئا من ذلك لغير اللّه توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ضمن قوله : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية . ثم قال تعالى : أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) [ النمل : 63 ] . فهذه المذكورات التي هي هدي الناس في ظلمات البر والبحر ، وإرسال الرياح بشرا ، أي مبشرات ، بين يدي رحمته التي هي المطر ، من خصائص ربوبيته جل وعلا . ولذا قال تعالى : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ، ثم نزه جل وعلا نفسه عن أن يكون معه إله يستحق شيئا مما ذكر فقال جل وعلا : تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) . ثم قال تعالى : أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) [ النمل : 64 ] . فهذه المذكورات التي هي بدء خلق الناس وإعادته يوم البعث ، ورزقه للناس من السماء بإنزال المطر ، ومن الأرض بإنبات النبات ، من خصائص ربوبيته جل وعلا ولذا قال بعدها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ . ثم عجّز جل وعلا كل من يدعي شيئا من ذلك كله لغير اللّه ، فقال آمرا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يخاطبهم بصيغة التعجيز : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) [ النمل : 64 ] . وقد اتضح من هذه الآيات القرآنية ، أن إجابة المضطرين الداعين ، وكشف السوء عن المكروبين ، من خصائص الربوبية كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء ، وإنبات النبات ، والحجز بين البحرين إلى آخر ما ذكر .